فصل: تفسير الآية رقم (111):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (110):

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)}
{وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءاتُواْ الزكواة} عطف على {فاعفوا} [البقرة: 109] كأنه سبحانه أمرهم بالمخالقة والالتجاء إليه تعالى بالعبادة البدنية والمالية لأنها تدفع عنهم ما يكروهون، وقول الطبري: إنهم أمروا هنا بالصلاة والزكاة ليحبط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود {راعنا} [البقرة: 104] منحط عن درجة الاعتبار.
{وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ} أي أي خير كان، وفي ذلك توكيد للأمر بالعفو والصفح، والصلاة والزكاة، وترغيب إليه، واللام نفعية، وتخصيص الخير بالصلاة، والصدقة خلاف الظاهر، وقرئ {تقدموا} من قدم من السفر، وأقدمه غيره جعله قادمًا، وهي قريب من الأولى لا من الإقدام ضد الإحجام.
{تَجِدُوهُ عِندَ الله} أي تجدوا ثوابه لديه سبحانه فالكلام على حذف مضاف، وقيل: الظاهر أن المراد تجدوه في علم الله تعالى، والله تعالى عالم به إلا أنه بالغ في كمال علمه فجعل ثبوته في علمه نزلة ثبوت نفسه عنده وقد أكد تلك المبالغة بقوله سبحانه: {إِنَّ الله بما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} حيث جعل جميع ما يعملون مبصرًا له تعالى فعبر عن علمه تعالى بالبصر مع أن قليلًا مما يعملون من المبصرات، وكأنه لهذا فسر الزمخشري البصير بالعالم، وأما قول العلامة إنه إشارة إلى نفي الصفات، وأنه ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى إلا تعلق ذاته بالمعلومات ففيه أن التفسير لا يفيد إلا أن المراد من البصير هاهنا العالم ولا دلالة على كونه نفس الذات أو زائدًا عليه ولا على أن ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى سوى التعلق المذكور، وقرئ {يعملون} بالياء والضمير حينئذ كناية عن كثير، أو عن أهل الكتاب فيكون تذييلًا لقوله تعالى: {فاعفوا} [البقرة: 109] إلخ مؤكدًا لمضمون الغاية، والمناسب أن يكون وعيدًا لأولئك ليكون تسلية، وتوطينًا للمؤمنين بالعفو والصفح، وإزالة لاستبطاء إتيان الأمر، وجوز أن يكون كناية عن المؤمنين المخاطبين بالخطابات المتقدمة، والكلام وعيد للمؤمنين، ويستفاد من الالتفات الواقع من صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؛ وهو النكتة الخاصة بهذا الالتفات ولا يخفى أنه كلام لا ينبغي أن يلتفت إليه.

.تفسير الآية رقم (111):

{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)}
{وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى} عطف على {وَدَّ} [البقرة: 109] وما بينهما أعني {فاعفوا واصفحوا} [البقرة: 109] إما اعتراض بالفاء أو عطف على {وَدَّ} أيضًا، وعطف الإنشاء على الأخبار فيما لا محل له من الإعراب بما سوى الواو جائز، والضمير لأهل الكتاب لا لكثير منهم كما يتبادر من العطف، والمراد بهم اليهود والنصارى جميعًا، وكأن أصل الكلام قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فلف بين هذين المقولين، وجعلا مقولًا واحدًا اختصارًا وثقة بفهم السامع أن ليس المقصد أن كل واحد من الفريقين يقول هذا القول المردد، وللعلم بتضليل كل واحد منهما صاحبه بل المقصد تقسيم القول المذكور بالنسبة إليهم فكلمه أو كما في «مغني اللبيب» للتفصيل والتقسيم لا للترديد فلا غبار وهود جمع هائد كعوذ جمع عائذ، وقيل: مصدر يستوي فيه الواحد وغير، وقيل: إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ضعيف، وعلى القول بالجمعية يكون اسم كان مفردًا عائدًا على من باعتبار لفظها، وجمع الخبر باعتبار معناها، وهو كثير في الكلام خلافًا لمن منعه، ومنه قوله:
وأيقظ من كان منكم نيامًا

وقرأ أبيّ {يهوديًا أو نصرانيًا} فحمل الخبر والاسم معًا على اللفظ.
{تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} الأماني جمع أمنية وهي ما يتمنى كالأضحوكة والأعجوبة والجملة معترضة بين قولهم ذلك؛ وطلب الدليل على صحة دعواهم و{تِلْكَ} إشارة إلى {لَن يَدْخُلَ الجنة} إلخ، وجمع الخبر مع أن ما أشير إليه أمنية واحدة ليدل على تردد الأمنية في نفوسهم وتكررها فيها، وقيل: إشعارًا بأنها بلغت كل مبلغ لأن الجمع يفيد زيادة الآحاد فيستعمل لمطلق الزيادة وهذا من بديع المجاز ونفائس البيان؛ وقيل: لا حاجة إلى هذا كله بل الجمع لأن {تلك} محتوية على أمان أن لا يدخل الجنة إلا اليهود، وأن لا يدخل الجنة إلا النصارى وحرمان المسلمين منها، وأيضًا فقائله متعدد وهو باعتبار كل قائل أمنية وباعتبار الجميع أمان كثيرة، ومن الناس من جعلها إشارة إلى أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأن يردوهم كفارًا، وأن لا يدخل الجنة غيرهم وعليه يكون أمانيهم تغليبًا لأن الأولين من قبيل المتمنيات حقيقة؛ والثالث دعوى باطلة، وجوز أيضًا أن تكون إشارة إلى ما في الآية على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم فإن جعل الأماني عنى الأكاذيب، فإطلاق الأمنية على دعواهم على سبيل الحقيقة، وإن جعل عنى المتمنيات فعلى الاستعارة تشبيهًا بالمتمني في الاستحالة، ولا يخفى ما في الوجهين من البعد لاسيما أولهما لأن كل جملة ذكر فيها ودّهم لشيء قد انفصلت وكملت واستقلت في النزول فيبعد جدًا أن يشار إليها.
{قُلْ هَاتُواْ برهانكم} أي على ما ادعيتموه من اختصاصكم بدخول الجنة فهو متصل معنى بقوله تعالى: {قَالُواْ لَن يَدْخُلِ} إلخ على أنه جواب له لا غير، و{هَاتُواْ} عنى أحضروا والهاء أصلية لا بدل من همزة آتوا ولا للتنبيه وهي فعل أمر خلافًا لمن زعم أنها اسم فعل أو صوت نزلة ها وفي مجيء الماضي والمضارع والمصدر من هذه المادة خلاف؛ وأثبت أبو حيان هاتي يهاتي مهاتاة والبرهان الدليل على صحة الدعوى، قيل: هو مأخوذ من البره وهو القطع فتكون النون زائدة، وقيل: من البرهنة وهو البيان فتكون النون أصلية لفقدان فعلن ووجود فعلل ويبنى على هذا الاشتقاق الخلاف في برهان إذا سمي به هل ينصرف أولًا؟
{إِن كُنتُمْ صادقين} جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله ومتعلق الصدق دعواهم السابق لا الإيمان ولا الأماني كما قيل، وأفهم التعليق أنه لابد من البرهان للصادق ليثبت دعواه، وعلل بأن كل قول لا دليل عليه غير ثابت عند الخصم فلا يعتد به، ولذا قيل: من ادعى شيئًا بلا شاهد لابد أن تبطل دعواه، وليس في الآية دليل على منع التقليد فإن دليل المقلد دليله كما لا يخفى، وتفسير الصدق هنا بالصلاح مما لا يدعو إليه سوى فساد الذهن.

.تفسير الآية رقم (112):

{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)}
{بلى} رد لقولهم الذي زعموه وإثبات لما تضمنه من نفي دخول غيرهم الجنة. والقول بأنه رد لما أشار إليه {قُلْ هَاتُواْ برهانكم} [البقرة: 111] من نفي أن يكون لهم برهان مما لا وجه له ولا برهان عليه {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أي انقاد لما قضى الله تعالى وقدر، أو أخلص له نفسه أو قصده فلم يشرك به تعالى غيره، أو لم يقصد سواه فالوجه إما مستعار للذات وتخصيصه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء ومعدن الحواس وإما مجاز عن القصد لأن القاصد للشيء مواجه له {وَهُوَ مُحْسِنٌ} حال من ضمير {أَسْلَمَ} أي والحال إنه محسن في جميع أعماله، وإذا أريد بما تقدم الشرك يؤول المعنى إلى: {آمن وعمل الصالحات} وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله: {أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك} {فَلَهُ أَجْرُهُ} أي الذي وعد له على ذلك لا الذي يستوجبه كما قاله الزمخشري رعاية لمذهب الاعتزال، والتعبير عما وعد بالأجر إيذانًا بقوة ارتباطه بالعمل {عِندَ رَبّهِ} حال من أجره والعامل فيه معنى الاستقرار، والعندية للتشريف، والمراد عدم الضياع والنقصان، وأتى بالرب مضافًا إلى ضمير {مَنْ أَسْلَمَ} إظهارًا لمزيد اللطف به وتقريرًا لمضمون الجملة، والجملة جواب {مِنْ} إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط، وعلى التقديرين يكون الرد بلى وحده وما بعده كلام مستأنف كأنه قيل: إذا بطل ما زعموه فما الحق في ذلك، وجوز أن تكون من موصولة فاعل ليدخلها محذوفًا، و{بلى} مع ما بعدها رد لقولهم، ويكون {فَلَهُ أَجْرُهُ} معطوفًا على ذلك المحذوف عطف الاسمية على الفعلية لأن المراد بالأولى التجدد، وبالثانية الثبوت، وقد نص السكاكي بأن الجملتين إذا اختلفتا تجددًا وثبوتًا يراعى جانت المعنى فيتعاطفان {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تقدم مثله والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ، ويجوز في مثل هذا العكس إلا أن الأفصح أن يبدأ بالحمل على اللفظ ثم بالحمل على المعنى لتقدم اللفظ عليه في الإفهام.

.تفسير الآية رقم (113):

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)}
{وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْء وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْء} المراد يهود المدينة ووفد نصارى نجران تماروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسابوا وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوة عيسى عليه السلام وأنكر النصارى التوراة ونبوة موسى عليه السلام فأل في الموضعين للعهد وقيل: المراد عامة اليهود وعامة النصارى وهو من الإخبار عن الأمم السالفة، وفيه تقريع لمن بحضرته صلى الله عليه وسلم وتسلية له عليه الصلاة والسلام إذ كذبوا بالرسل والكتب قبله فأل في الموضعين للجنس، والأول: هو المروي في أسباب النزول، وعليه يحتمل أن يكون القائل كل واحد من آحاد الطائفتين وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون المراد بذلك رجلين رجل من اليهود يقال له نافع بن حرملة ورجل من نصارى نجران ونسبة ذلك للجميع حيث وقع من بعضهم وهي طريقة معروفة عند العرب في نظمها ونثرها وهذا بيان لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه إثر بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم، و{على شَيْء} خبر ليس، وهو عند بعض من باب حذف الصفة أي شيء بعتد به في الدين لأنه من المعلوم أن كلًا منهما على شيء، والأوْلى عدم اعتبار الحذف، وفي ذلك مبالغة عظيمة لأن الشيء كما يشير إليه كلام سيبويه ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فإذا نفى مطلقًا كان ذلك مبالغة في عدم الاعتداد بما هم عليه وصار كقولهم أقل من لا شيء {وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب} حال من الفريقين بجعلهما فاعل فعل واحد لئلا يلزم إعمال عاملين في معمول واحد أي قالوا ذلك وهم عالمون بما في كتبهم الناطقة بخلاف ما يقولون، وفي ذلك توبيخ لهم وإرشاد للمؤمنين إلى أن من كان عالمًا بالقرآن لا ينبغي أن يقول خلاف ما تضمنه، والمراد من الكتاب الجنس فيصدق على التوراة والإنجيل، وقيل: المراد به التوراة لأن النصارى تمتثلها أيضًا.
{كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ} وهم مشركو العرب في قول الجمهور، وقيل: مشركو قريش، وقيل: هم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى، وأما القول بأنهم اليهود وأعيد قولهم مثل قول النصارى ونفى عنهم العلم حيث لم ينتفعوا به فالظاهر أنه قول: {الذين لاَ يَعْلَمُونَ} والكاف من {كذلك} في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف منصوب بـ {قال} مقدم عليه أي قولًا مثل قول اليهود والنصارى {قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ} ويكون {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} على هذا منصوبًا بـ {يَعْلَمُونَ} والقول عنى الاعتقاد، أو بقال على أنه مفعول به أو بدل من محل الكاف، وقيل: {كذلك} مفعول به و{مَثَلُ} مفعول مطلق، والمقصود تشبيه المقول بالمقول في المؤدي والمحصول، وتشبيه القول بالقول في الصدور عن مجرد التشهي والهوى والعصبية، وجوزوا أن تكون الكاف في موضع رفع بالابتداء والجملة بعده خبره والعائد محذوف أي قاله، و{مَثَلُ} صفة مصدر محذوف، أو مفعول {يَعْلَمُونَ} ولا يجوز أن يكون مفعول {قال} لأنه قد استوفى مفعوله، واعترض هذا بأن حذف العائد على المبتدأ الذي لو قدر خلو الفعل عن الضمير لنصبه مما خصه الكثير بالضرورة ومثلوا له بقوله:
وخالد يحمد ساداتنا ** بالحق لا تحمد بالباطل

وقيل: عليه وعلى ما قبله أن استعمال الكاف اسمًا وإن جوزه الأخفش إلا أن جماعة خصوه بضرورة الشعر مع أنه قد يؤل ما ورد منه فيه على أنه لا يخفى ما في توجيه التشبيهين دفعًا لتوهم اللغوية من التكلف والخروج عن الظاهر، ولعل الأولى أن يجعل {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} إعادة لقوله تعالى: {كذلك} للتأكيد والتقرير كما في قوله تعالى: {جَزؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} [يوسف: 75] وبه قال بعض المحققين، وقد يقال: إن كذلك ليست للتشبيه هنا بل لإفادة أن هذا الأمر عظيم مقرر، وقد نقل الوزير عاصم بن أيوب في شرح قول زهير:
كذلك خيمهم ولكل قوم ** إذا مستهم الضراء خيم

عن الإمام الجرجاني إن {كذلك} تأتي للتثبيت إما لخبر مقدم وإما لخبر متأخر وهي نقيض كلا لأن كلا تنفي وكذلك تثبت ومثله {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين} [الحجر: 12] وفي شرح المفتاح الشريفي إنه ليس المقصود من التشبيهات هي المعاني الوضعية فقط إذ تشبيهات البلغاء قلما تخلو من مجازات وكنايات فنقول: إنا رأيناهم يستعملون كذا وكذا للاستمرار تارة نحو عدل زيد في قضية فلان كذا وهكذا أي عدل مستمر، وقال الحماسي:
هكذا يذهب الزمان ويفنى ال ** علم فيه ويدرس الأثر

نص عليه التبريزي في شرح الحماسة وله شواهد كثيرة، وقال في شرح قول أبي تمام:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر

إنه للتهويل والتعظيم وهو في صدر القصيدة لم يسبق ما يشبه به، وسيأتي لذلك تتمة إن شاء الله تعالى، وإنما جعل قول أولئك مشبهًا به لأنه أقبح إذ الباطل من العالم أقبح منه من الجاهل، وبعضهم يجعل التشبيه على حد {إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا} [البقرة: 275] وفيه من المبالغة والتوبيخ على التشبه بالجهال ما لا يخفى وإنما وبخوا، وقد صدقوا إذ كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء لأنهم لم يقصدوا ذلك وإما قصد كل فريق إبطال دين الآخر من أصله والكفر بنبيه وكتابه على أنه لا يصح الحكم بأن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء يعتدّ به لأن المتبادر منه أن لا يكون كذلك في حد ذاته وما لا ينسخ منهما حق واجب القبول والعمل فيكون شيئًا معتدًا به في حد ذاته وإن يكن شيئًا بالنسبة إليهم لأنه لا انتفاع بما لم ينسخ مع الكفر بالناسخ.
{فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي بين اليهود والنصارى لا بين الطوائف الثلاثة لأن مساق النظم لبيان حال تينك الطائفتين والتعرض لمقالة غيرهم لإظهار كمال بطلان مقالهم والحكم الفصل والقضاء وهو يستدعي جارين فيقال: حكم القاضي في هذه الحادثة بكذا، وقد حذف هنا أحدهما اختصارًا وتفخيمًا لشأنه أي بما يقسم لكل فريق ما يليق به من العذاب، والمتبادر من الحكم بين فريقين أن يحكم لأحدهما بحق دون الآخر فكأن استعماله بما ذكر مجاز، وقال الحسن: المراد بالحكم بين هذين الفريقين تكذيبهم وإدخالهم النار وفي ذلك تشريك في حكم واحد وهو بعيد عن حقيقة الحكم، و{يَوْمٍ} متعلق بـ {يُحْكِمُ} وكذا ما بعده ولا ضير لاختلاف المعنى، وفيه متعلق بـ {يَخْتَلِفُونَ} لا بـ {كَانُواْ} وقدم عليه للمحافظة على رؤوس الآي.
ومن باب الإشارة في الآيات: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ} [البقرة: 106] أي ما نزيل من صفاتك شيئًا عن ديوان قلبك أو نخفيه بإشراق أنوارنا عليه إلا ونرقم فيه من صفاتنا التي لا تظن قابليتك لما يشاركها في الاسم والتي تظن وجود ما لا يشاركها فيك {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ} [البقرة: 107] عالم الأرواح وأرض الأجساد وهو المتصرف فيهما بيد قدرته بل العوالم على اختلافها ظاهر شؤون ذاته ومظهر أسمائه وصفاته فلم يبق شيء غيره ينصركم ويليكم {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ} رسول العقل من اللذات الدنية والشهوات الدنيوية {كَمَا سُئِلَ موسى} القلب {مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ} [البقرة: 108] الظلمة بالنور فقد ضل الطريق المستقيم وقالت اليهود لن يدخل الجنة المعهودة عندهم وهي جنة الظاهر وعالم الملك التي هي جنة الأفعال وجنة النفس {إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا} وقالت النصارى لن يدخل الجنة المعهودة عندهم وهي جنة الباطن وعالم الملكوت التي هي جنة الصفات وجنة القلب إلا من كان نصرانيًا، ولهذا قال عيسى عليه السلام: لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أي غاية مطالبهم التي وقفوا على حدها واحتجبوا بها عما فوقها {قُلْ هَاتُواْ} دليلكم الدال على نفي دخول غيركم {إِن كُنتُمْ صادقين} [البقرة: 111] في دعواكم بل الدليل دل على نقيض مدعاكم فإن {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} وخلص ذاته من جميع لوازمها وعوارضها لله تعالى بالتوحيد الذاتي عند المحو الكلي وهو مستقيم في أحواله بالبقاء بعد الفناء مشاهد ربه في أعماله راجع من الشهود الذاتي إلى مقام الإحسان الصفاتي الذي هو المشاهدة للوجود الحقاني {فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ}
[البقرة: 112] أي ما ذكرتم من الجنة وأصفى لاختصاصه قام العندية التي حجبتم عنها ولهم زيادة على ذلك هي عدم خوفهم من احتجاب الذات وعدم حزنهم على ما فاتهم من جنة الأفعال والصفات التي حجبتم بالوقوف عندها {وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْء} لاحتجابهم بالباطن عن الظاهر {وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْء} لاحتجابهم عن الباطن بالظاهر {وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب} وفيه ما يرشدهم إلى رفع الحجاب ورؤية حقية كل مذهب في مرتبته {كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ} المراتب {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} فخطأ كل فرقة منهم الفرقة الأخرى ولم يميزوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية ولم يعرفوا وجه الحق في كل مرتبة من مراتب الوجود {فالله} تعالى الجامع لجميع الصفات على اختلاف مراتبها وتفاوت درجاتها {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} بالحق في اختلافاتهم {يَوْمٍ} قيام {القيامة} [البقرة: 113] الكبرى وظهور الوحدة الذاتية وتجلي الرب بصور المعتقدات حتى ينكرونه فلا يسجد له إلا من لم يقيده سبحانه حتى بقيد الإطلاق.